يعرض الباحث خالد عظيم قراءة اقتصادية لتقلبات الأسواق العالمية بعد الضربة المشتركة التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، ويوضح أن رد فعل الأسواق المالية جاء حتى الآن هادئاً نسبياً مقارنة بحجم الحدث الجيوسياسي. فقد ارتفع مستوى المخاطر في معظم فئات الأصول، لكن الأسواق الأساسية مثل أسعار الفائدة والائتمان والعملات لم تشهد اضطرابات حادة.

 

ويشير تحليل أتلانتيك كآونسل إلى أن أسواق الطاقة أظهرت رد الفعل الأقوى. فقد ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بسرعة نتيجة تعطل بعض منشآت المعالجة في الخليج، كما تجاوز سعر النفط مؤقتاً حاجز مئة دولار للبرميل، بينما تباطأت حركة السفن في مضيق هرمز بشكل واضح. وبعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أشار فيها إلى احتمال اقتراب نهاية الصراع، تراجع سعر النفط إلى نحو تسعين دولاراً، ما يعكس حساسية أسواق الطاقة الشديدة تجاه توقعات مدة الحرب.

 

عامل الزمن وتأثيره في أسواق الطاقة

 

يرى الكاتب أن توقع حركة الأسواق في مثل هذه اللحظات أمر بالغ الصعوبة، لذلك يفضّل التركيز على عاملين رئيسيين يحددان اتجاه السوق. ويتمثل العامل الأول في الزمن.

 

يتسم الطلب على الطاقة بقدر كبير من الثبات في المدى القصير. تحتاج المنازل إلى التدفئة، وتحتاج المركبات إلى الوقود، وتواصل المصانع عملها بصورة طبيعية. ولهذا السبب يركز المستثمرون عند حدوث اضطراب في الإمدادات على مدة تعطل العرض أكثر من تركيزهم على تراجع الطلب.

 

إذا استمر اضطراب الإمدادات فترة طويلة ترتفع الأسعار غالباً. وتؤدي زيادة أسعار الطاقة إلى ارتفاع توقعات التضخم، وهو ما يدفع البنوك المركزية إلى تعديل سياساتها النقدية. وقد تقرر هذه المؤسسات تشديد الأوضاع المالية عبر رفع أسعار الفائدة أو اتخاذ إجراءات تقلل السيولة في الأسواق.

 

عند حدوث ذلك ينتقل تأثير الصدمة الجيوسياسية من سوق الطاقة إلى الاقتصاد العالمي الأوسع. فقد ترتفع أسعار الفائدة، وتتغير قيمة العملات، ويتباطأ النمو الاقتصادي في عدد من الدول.

 

عامل عدم اليقين في تسعير المخاطر

 

يتمثل العامل الثاني في حالة عدم اليقين. تستطيع الأسواق المالية امتصاص صدمات كبيرة إذا اتضح المسار الاستراتيجي للأحداث بشكل معقول. لكن الأسواق تواجه صعوبة عندما يكتنف الغموض مسار الصراع واحتمالات تصعيده.

 

عندما يفتقر المستثمرون إلى الوضوح حول اتجاه الحرب أو احتمالات توسعها، يطالبون بعائد أعلى مقابل تحمل المخاطر. ويظهر ذلك في ارتفاع التقلبات في الأسواق واتساع الفروق بين أسعار الائتمان واتجاه المستثمرين نحو الأصول الآمنة مثل الذهب أو السندات الحكومية.

 

يلعب الزمن وعدم اليقين دوراً محورياً في الطريقة التي تسعّر بها الأسواق المخاطر الجيوسياسية.

 

مفهوم الخيار الجيوسياسي في الاقتصاد العالمي

 

يقترح الكاتب فهم هذه الظاهرة عبر تشبيه مأخوذ من عالم الأدوات المالية يعرف باسم “الخيارات”. يمنح الخيار المالي مالكه حق شراء أصل معين أو بيعه بسعر محدد خلال فترة زمنية معينة دون إلزامه بذلك.

 

يعتمد سعر الخيار في العادة على عاملين رئيسيين هما مدة العقد ومستوى التقلب في السوق. ويمكن تخيل الاقتصاد العالمي كأنه الأصل الأساسي في هذا المثال، بينما تمثل الصدمة الجيوسياسية احتمال تراجع قيمة هذا الأصل.

 

يسعى المستثمرون في مثل هذه الظروف إلى حماية استثماراتهم من السيناريوهات السلبية، وهو ما يشبه شراء ما يعرف بخيار البيع أو “بوت”. يسمح هذا النوع من الخيارات لصاحبه ببيع الأصل بسعر محدد حتى لو هبط سعره في السوق لاحقاً.

 

من هذا المنظور، لا ترتفع قيمة هذا الخيار بسبب وقوع الخسارة فعلاً، بل بسبب اتساع نطاق الاحتمالات المستقبلية. فعندما تتزايد السيناريوهات الممكنة للحرب أو تتوسع دائرة المخاطر في المنطقة، ترتفع قيمة الحماية التي يبحث عنها المستثمرون.

 

ويؤدي عدد من العوامل إلى زيادة عدم اليقين في الحالة الحالية، مثل اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، واحتمال توسع العمليات العسكرية، وتعطل سلاسل الإمداد، إضافة إلى احتمال حدوث اضطرابات اقتصادية أو اجتماعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

 

دور صناع القرار في تهدئة الأسواق

 

يشير التحليل إلى أن صناع القرار يمتلكون قدرة حقيقية على التأثير في كيفية تسعير الأسواق لهذه المخاطر الجيوسياسية.

 

يمكن للحكومات أولاً تقليص مدة الاضطراب. فإذا صحت التوقعات التي تحدث عنها ترامب بشأن اقتراب نهاية الصراع، فإن أفق الحرب سيصبح أقصر، ما يقلل القسط الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل المخاطر.

 

ويمكن للحكومات ثانياً تقليل حالة الغموض عبر تقديم رؤية استراتيجية واضحة. فعندما تحدد الدول أهدافها العسكرية والسياسية بدقة وتوضح حدود التصعيد ومسارات التهدئة، ينخفض مستوى التقلب الذي تعكسه الأسواق في أسعار الأصول.

 

يساعد هذان العاملان في خفض ما يمكن وصفه بسعر “الخيار الجيوسياسي” الذي يضعه المستثمرون على الاقتصاد العالمي.

 

في النهاية لا تكتفي الأسواق المالية برد الفعل على الصدمة المباشرة للحرب، بل تحاول تقدير مدة الصراع ومستوى الغموض المحيط به. ويساعد فهم العلاقة بين الزمن وعدم اليقين على تفسير سلوك الأسواق وعلى إدراك الكلفة الاقتصادية الحقيقية للأزمات الجيوسياسية.

 

www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/how-to-understand-the-iran-war-market-swings-a-geopolitical-put-option/